مجمع البحوث الاسلامية
797
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كونه موصوفا بهاتين الصّفتين النّافعتين في حصول هذا المطلوب ، وبين البابين فرق ، وكأنّه قد غلب على ظنّه أنّه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف ، لأنّ الملك وإن علم كماله في علوم الدّين ، لكنّه ما كان عالما بأنّه يفي بهذا الأمر . ثمّ نقول : هب أنّه مدح نفسه ، إلّا أنّ مدح النّفس إنّما يكون مذموما إذا قصد الرّجل به التّطاول والتّفاخر والتّوصّل إلى غير ما يحلّ . فأمّا على غير هذا الوجه فلا نسلّم أنّه محرّم » . الرّابع : حفظ الغيب : أ - قال إخوة يوسف في ( 18 ) : وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وفيها بحثان : 1 - قال مجاهد : « ما كنّا نعلم أنّ ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا ، فلو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا ، وإنّما قلنا : وَنَحْفَظُ أَخانا ممّا لنا إلى حفظه منه سبيل » . وقال أيضا فيما نقل عنه : « ما كنّا نعلم أنّ ابنك يسترقّ » ، فهذان قولان ، وبهما قال سائر المفسّرين . 2 - قال الفخر الرّازيّ : « نقل أنّ يعقوب عليه السّلام قال لهم : فهب أنّه سرق ، ولكن كيف عرف الملك أنّ شرع بني إسرائيل أنّ من سرق يسترقّ ، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم . فقالوا عند هذا الكلام : إنّا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة ، وما كنّا نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها . فقوله : وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ إشارة إلى هذا المعنى . فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب عليه السّلام أن يسعى في إخفاء حكم اللّه تعالى على هذا القول ؟ قلنا : لعلّه كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما ، فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الّذي ظنّه كافرا » . ب - حفظ النّساء للغيب في ( 19 ) : فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ وفيها بحثان : 1 - اختلف في ما يحفظن للغيب ، فقيل : لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ في فروجهنّ وأموالهنّ ، أو لأموال أزواجهنّ في حال غيبتهم ، أو لأسرار أزواجهنّ ، أي يقع بينهم وبينهنّ في الخلوة ، ومنه المنافسة والمنافرة . 2 - يحتمل أن يكون معنى الغيب هنا « اللّه » عزّ وجلّ ، كقوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ البقرة : 3 ، والمراد واجبه ، وتقدير الكلام : حافظات لواجب الغيب ، من الفرائض والسّنن . الخامس : حفظ الفروج : جاء ترغيب الرّجال والنّساء إلى حفظ الفروج 5 مرّات ( 20 - 24 ) وفيها بحوث : 1 - المراد به في ( 23 و 24 ) حفظها عن الزّنى قطعا بقرينة ذيلهما إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ، وهو الظّاهر في ( 22 ) : وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ ، لأنّ الآية بطولها عدّت أصول الأعمال المرغوبة فيها ، ومنها حفظ الفروج عن العمليّة الجنسيّة إلّا ما استثني من الأزواج والإماء . أمّا الآيتان ( 20 و 21 ) فقد جاء حفظ الفروج فيهما عقيب غضّ البصر ، ولهذا خصّها جماعة منهم بحفظها عن النّظر . وهذا مرويّ عن الإمام عليّ والإمام الصّادق عليهما السّلام . فقد جاء في حديث عنه : « كلّ شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزّنى إلّا هذه الآية فإنّها